الذاكرة و تفعيل الدماغ

الكاتب : إدارة الموقع

On أغسطس 28, 2020

تنتج الذاكرة فيزيولوجياً عن التغيرات في حساسية النقل المشبكي بين العصبونات و الناتجة عن فعالية عصبية سابقة . تسبب هذه التغيرات بدورها مسالك جديدة أو تسهل تطور مسالك لنقل الإشارات عبر الدارات العصبية في الدماغ . تدعى هذه المسالك بمسارات الذاكرة Memory traces ، و هي هامة لأنها عندما تترسخ يمكن أن تفعل بوساطة العقل المفكر لاستحضارها .
لقد أوضحت التجارب عند الحيوانات الدنيا أن مسارات الذاكرة يمكن أن تحدث في كل مستويات الجهاز العصبي . و لكن معظم الذكريات التي نربطها بالعمليات الفكرية مثبتة على مسارات الذاكرة في القشرة المخية .

تصنيف الذكريات :
1. الذاكرة قصيرة الأمد Short – term memory : تتضمن الذكريات التي تدوم لثوانٍ أو على الأكثر لدقائق ما لم تتحول إلى الأشكال الأطول من الذاكرة .
2. الذاكرة متوسطة المدة Intermediate long term memory : يدوم هذا النوع من الذكريات أياماً إلى أسابيع و لكنها تفقد في النهاية.
3. الذاكرة طويلة الأمد Long term memory : هذا النوع من الذكريات يتشكل عندما تخزن المعلومات بحيث يمكن استحضارها بعد سنين أو حتى مدى الحياة.

بالإضافة إلى هذا التصنيف العام للذكريات تم سابقاً مناقشة نوع آخر من الذاكرة (له علاقة بالفص قبل الجبهي) يدعى الذاكرة العاملة Working memory التي تتضمن بشكل رئيسي الذاكرة قصيرة الأمد التي تستخدم في سياق عمليات الاستنتاج الفكرية و لكنها تنتهي عندما تحل المشكلة .

تصنف الذكريات ،من ناحية أخرى، وفقاً لنمط المعلومات المخزنة وتقسم إحدى هذه التصنيفات الذاكرة إلى:

1. Declarative memory . وتعني بشكل أساسي تذكر مختلف التفاصيل للأفكار التكاملية مثل الذاكرة للخبرات المهمة التي تتضمن:
• ذاكرة الأشياء المحيطة بنا.
• ذاكرة العلاقات الزمنية.
• ذاكرة أسباب الخبرات .
• ذاكرة معنى الخبرات.
• ذاكرة الخصومات المحفوظة في عقل الشخص.

2. ذاكرة المهارات. تترافق مع الفعاليات الحركية لجسم الشخص، مثل المهارات الناتجة عن ضرب كرة التنس وتتضمن:
• رؤية الكرة.
• حساب الصلة وسرعة الكرة إلى المضرب.
• الأستنتاج بشكل سريع حركة الجسم،الذراعين والمضرب اللازمة لضرب الطابة كما هي الرغبة.(كل هذه الفعاليات مستندة على تعلم مسبق لهذه اللعبة)يتحرك بعدئذ إلى الضربة التالية في اللعبة بينما تنسى التفاصيل للعبة السابقة.

الذاكرة قصيرة الأمد :

تمثل الذاكرة قصيرة تذكر الإنسان لسبعة و حتى عشرة أعداد في رقم هاتفي (أو ما بين سبعة إلى عشرة حقائق منفصلة أخرى) لعدة ثوانٍ أو لعدة دقائق و لكنها تدوم ما دام الإنسان يفكر بالأرقام و الحقائق .

يقترح الكثير من الفيزيولوجيون أن هذا النوع من الذاكرة ينجم عن الفعالية العصبية المستمرة الناتجة عن الإشارات العصبية التي تدور لمرات عديدة في مسار ذاكرة مؤقت عبر دارة من العصبونات الارتدادية Reverberating neurons . و لكن حتى الآن لم يتم إثبات هذه النظرية .
و التفسير المحتمل الآخر لهذا النوع من الذاكرة هو التعزيز أو التثبيط قبل المشبكي . يحدث ذلك في المشابك التي تتوضع على النهايات قبل المشبك و ليس على العصبون بعد المشبك . و تسبب النواقل العصبية المفرزة عند هذه النهايات عادة تيسيراً أو تثبيطاً مطولاً (اعتماداً على نمط الناقل المفرز) يستمر لعدة ثوانٍ أو حتى عدة دقائق . و من الواضح أن دارات من هذا النمط يمكن أن تؤدي إلى ذاكرة قصيرة الأمد .

الذاكرة متوسطة المدة :

قد تدوم هذه الذاكرة عدة دقائق أو حتى عدة أسابيع ، لكنها سوف تفقد في النهاية ما لم تصبح مسارات الذاكرة أكثر ديمومة (و عندها سوف تصنف ضمن الذاكرة طويلة الأمد) . و لقد بينت التجارب على الحيوانات البدائية أن الذاكرة من هذا النمط يمكن أن تنتج عن التغيرات المؤقتة الفيزيائية أو الكيميائية أو عن كليهما ، و تحدث هذه التغيرات إما في النهايات قبل المشبك أو في الغشاء الخلوي بعد المشبك و يمكن لها أن تستمر ما بين عدة دقائق و حتى عدة أسابيع .
الذاكرة المبنية على تغيرات كيميائية في النهاية قبل المشبك أو الغشاء العصبوني بعد المشبك
يوضح الشكل التالي آلية الذاكرة التي دُرِست من قبل كاندل و زملاءه و هي آلية تجعل الذاكرة تدوم من عدة دقائق حتى ثلاثة أسابيع في حلزون ابليز الضخم Large snail Aplysia .
11..jpg

الذاكرة وفق ألية التسهيل قبل المشبكي.

الذاكرة طويلة الأمد Long term memory :

لا يوجد تمييز حقيقي واضح بين الأنماط المطولة من الذاكرة متوسطة الأمد و الذاكرة طويلة الأمد و الفارق بينهما درجة واحدة فقط . على أية حال ، يعتقد أن الذاكرة طويلة الأمد تنتج عموماً عن تغيرات بنيوية حقيقية (عوضاً عن التغيرات الكيميائية فقط) عند المشابك التي تفرز أو تكبت توصيل الإشارة .

التغيرات البنيوية التي تحدث في المشابك عند تطور الذاكرة طويلة الأمد :

لقد أوضحت الصور المأخوذة بالمجهر الإلكتروني للحيوانات اللا فقارية العديد من التغيرات الفيزيائية البنيوية في عدد من المشابك خلال عملية تطور مسارات الذاكرة طويلة الأمد . سوف لن تحدث تلك التغيرات إذا أعطي الحيوان دواء يثبط تفعيل الـ DNA لتضاعف البروتين في العصبون قبل المشبك و بالتالي لن نشاهد تطور لمسارات الذاكرة طويلة الأمد .
إن أهم التغيرات الفيزيائية البنيوية التي تحدث هي :
1. زيادة في عدد المواقع المحررة للحويصلات الحاوية على المادة الناقلة.
2. زيادة في عدد الحويصلات الحاوية على المادة الناقلة .
3. زيادة في عدد النهايات قبل المشبكية (أحياناً تزداد إلى الضعف).
4. تغيرات في تركيب نهايات الأستطالات السيتوبلاسمية يسمح لها بنقل الإشارات القوية.

هكذا و بواسطة عدة طرق تزداد إمكانية نقل الإشارات بعد التغيرات البنيوية الحادثة أثناء تطور مسارات الذاكرة طويلة الأمد .

التغيرات الحاصلة في عدد العصبونات و اتصالاتها خلال التعلم :

خلال الأشهر الأولى من ولادة الطفل و ربما حتى عمر سنة أو أكثر قليلاً فإن أجزاء عديدة من الدماغ تقدم عدد كبير من عصبوناتها لتضعها في الخدمة و ترسل هذه العصبونات فروع محاويرها لتصنع اتصالات مع العصبونات الأخرى . و إذا فشلت المحاوير الجديدة في الاتصال مع العصبونات التالية أو مع الخلايا العضلية أو الغدية فإنها تتخرب و تنحل خلال عدة أسابيع .

و هكذا فإن عدد الاتصالات تُحدد بوساطة عوامل النمو العصبي التي تفرز بشكل راجع من الخلايا المنبهة . و أكثر من ذلك ، عندما تحدث اتصالات غير كافية فإن كامل العصبون الذي أرسل نهاياته المحوارية سوف يختفي أخيراً .

و لهذا السبب ، يحدث حالاً بعد الولادة إما أن توضع العصبونات في الاستخدام أو توضع بحسب مبدأ (Use it or lose it) و بالتالي فإن العدد النهائي من العصبونات و اتصالاتها سوف يحدد في كل قسم من الجهاز العصبي عند الإنسان.
و كمثال على ذلك ، إذا غطيت عين حيوان وليد لمدة عدة أسابيع بعد الولادة فإن العديد من العصبونات في القشرة البصرية و الطريق البصري (الذي يتصل مع هذه العين المغطاة) سوف ينحل و بالتالي سوف تبقى العين المغطاة عمياء بشكل جزئي أو كامل و ذلك طيلة فترة الحياة . و في العديد من مناطق القشرة الدماغية ، لوحظ أن 50 % أو أكثر من العصبونات الأساسية ليست في الخدمة بسبب عدم الاستخدام .
تعد هذه الآلية نمط من التعلم طويل الأمد . و أكثر من ذلك ، فإن هذه المرونة و قابلية التكيف للجهاز العصبي خلال المراحل الباكرة من الحياة تؤكد على أهمية إعطاء الأطفال الصغار الفرصة في التعرض للعديد من الخبرات التعليمية.

تصلد الذاكرة Consolidation of memory:

لكي تتحول الذاكرة قصيرة الأمد إلى الذاكرة طويلة الأمد و التي يمكن استحضارها بعد عدة أسابيع أو مدى الحياة ؛ لا بد أن تصبح متصلدة أو راسخة . هذا يعني أن الذاكرة قصيرة المدى إذا فُعلت يشكل متكرر سوف تبدأ بعده طرق تحولات كيميائية و فيزيائية و تشريحية في المشابك تكون مسؤولة عن نمط الذاكرة طويلة الأمد . و تحتاج هذه العملية إلى 5 – 10 دقائق للتصلد الأصغري و ساعة أو أكثر للتصلد الأعظمي . فمثلاً ، إذا حدث انطباع حسي
قوي في الدماغ ثم اُتبع خلال دقيقة أو ما يقارب ذلك اضطراب دماغي محرض كهربائياً فلا يمكن أن تذكر هذه التجربة الحسية مطلقاً. و بطريقة مشابهة فإن ارتجاج الدماغ أو التطبيق المفاجئ لتبنيج عام عميق أو أي مؤشر آخر قادر على حصر الوظيفة الدينمية للدماغ مؤقتاً يستطيع أن يمنع التصلد. و إذا أخرت الصدمة الكهربائية القوية أكثر من 10 دقائق ، فإن جزءاً على الأقل من مسار الذاكرة سوف يترسخ ، و إذا أخرت لمدة ساعة فإن الذاكرة تصبح أكثر ترسخاً .
و يمكن تفسير حدوث التصلد و المدة التي يحتاجها بوساطة ظاهرة تكرار الذاكرة قصيرة الأمد و هي كما يلي:
• دور التكرار (Rehearsal) في قلب الذاكرة قصيرة المدى إلى ذاكرة طويلة المدى: أظهرت الدراسات الفيزيولوجية أن تكرار المعلومات نفسها لعدة مرات يسرع و يعزز درجة تحويل الذاكرة قصيرة المدى إلى ذاكرة طويلة المدى ، و بذلك يسرع و يعزز حدوث التصلد. يملك الدماغ ميل طبيعي إلى تكرار المعلومات الجديدة و خصوصاً تلك التي تجذب الانتباه . و لذلك و على مدى فترة من الزمن تصبح المعالم الهامة للتجارب الحسية أكثر ثباتاً بشكل مترقٍ في مخازن الذاكرة . مما يفسر سبب استطاعة المرء تذكر كميات قليلة من المعلومات و التي درسها بعمق بشكل أفضل بكثير من الكميات الكبيرة من المعلومات التي درسها بشكل سطحي فقط , كما يفسر قدرة المرء الواعي تماماً على ترسيخ الذاكرة بشكل أفضل بكثير مما يستطيعه المصاب بحالة من التعب العقلي.

دور أجزاء معينة من الدماغ في عملية الذاكرة .

• دور الحصين Hippocampusفي تخزين الذكريات : الحصين ( أو حصان البحر ) هو الجزء الأكثر إنسية من قشرة الفص الصدغي Temporal Lobe. لقد تم استئصال الحصينين كعلاج للصرع في عدد من المرضى، و في الحقيقة فإن هذا الإجراء لم يؤثر بشكل مهم على ذاكرة الشخص فيما يخص المعلومات المخزونة في الدماغ قبل الاستئصال. و لكن هؤلاء الأشخاص بعد الاستئصال فقدوا القدرة على تخزين الأنماط اللفظية و الرمزية من الذكريات في الذاكرة طويلة الأمد أو حتى في الذاكرة متوسطة الأمد التي تستمر لعدة أسابيع و هكذا أصبح هؤلاء الأشخاص عاجزين عن تثبيت معلومات حديثة في الذاكرة طويلة الأمد هذه المعلومات التي تعد أساساً للذكاء و يدعى هذا الأمر نساوة القادم Antertograde amnesia .

و لكن ما هو السبب الذي يجعل الحصينين عظيمي الأهمية في مساعدة الدماغ على تخزين الذكريات الجديدة ؟ و الجواب المحتمل هو أن الحصين هو أحد المسالك الهامة الصادرة من باحات الثواب و العقاب في الجهاز الحوفي Limbic System. إن المنبهات الحسية أو الأفكار التي تسبب الألم أو النفور تثير مراكز العقاب الحوفية ، بينما تثير المنبهات التي تسبب السرور أو السعادة مراكز الثواب . تؤمن هذه المراكز الخلفية للمزاج و الدوافع عند الشخص.


دور الحصين في التعلم الانعكاسي :

إن الأشخاص المصابين بأذيات في الحصين عادة لا يواجهون صعوبات في تعلم المهارات الفيزيائية التي لا تتضمن الأنماط اللفظية و الرمزية من الذكاء . فعلى سبيل المثال ، يستطيع هؤلاء الأشخاص تعلم المهارات اليدوية الفيزيائية كالتي يحتاجها الإنسان في كثير من أنماط الرياضة . يدعى هذا النمط من التعلم بتعلم المهارات Skill learning أو التعلم الانعكاسي Reflexive learning و هو يعتمد على تكرار الأعمال المطلوبة فيزيائياً لعدة مرات و ليس على تكرارها رمزياً في العقل.

الأجهزة المفعلة للدماغ Activating-Driving systems of the brain :

يصبح الدماغ عديم الفائدة و ذلك عند غياب النقل المستمر للإشارات العصبية من جذع الدماغ إلى المخ . في الحقيقة فإن انضغاط جذع الدماغ بشدة عند الوصل بين الدماغ المتوسط و المخ (و الذي ينجم غالباً عن ورم الغدة الصنوبرية) يدخل المرء في سبات مستمر يدوم طوال الفترة الباقية من حياة المريض .
تفعل الإشارات العصبية المتولدة في جذع الدماغ الجزء المخي من الدماغ بطريقتين مختلفتين:
• بشكل مباشر عن طريق تنبيه المستوى الأساسي من الفعالية في باحات واسعة من الدماغ .
• بشكل غير مباشر و ذلك عن طريق تفعيل الأجهزة الهرمونية العصبية التي تطلق مواد هرمونية ميسرة أو مثبطة إلى باحات مختارة من الدماغ.
تعمل هاتان الجملتان المفعلتان معاً بصورة دائمة بحيث لا يمكن تمييزهما عن بعضهما بشكل كامل .

التحكم بالفعالية المخية بالإشارات المثيرة المستمرة من جذع الدماغ :

1- الباحة المثيرة الشبكية في جذع الدماغ :
يوضح الشكل التالي جهازاً عاماً للتحكم بمستوى فعالية الدماغ . إن الجزء الباعث الرئيسي في هذا الجهاز هي باحة مثيرة تتوضع في المادة الشبكية للجسر و الدماغ المتوسط . فبالإضافة
إلى الإشارات المثيرة المرسلة نحو الأسفل إلى النخاع الشوكي (للحفاظ على المقوية) فإن هذه الباحة ترسل سيلاً من الإشارات نحو الأعلى . تذهب هذه الإشارات إلى المهاد أولاً حيث تثير مجموعة من العصبونات التي ترسل بدورها إشارات عصبية إلى كل مناطق القشرة المخية، كما أن إشارات أخرى تذهب إلى عدد من المناطق تحت القشرية .

22..jpg

الجملة المفعلة للدماغ.

إن الإشارات المارة عبر المهاد هي نمطان :

1. النمط الأول هو كوامن فعل سريعة الانتقال تثير المخ لعدة ميلي ثوانٍ فقط . تنشأ هذه الإشارات من أجسام خلايا عصبية كبيرة جداً تتوضع على طول الباحة الشبكية من جذع الدماغ ، و تحرر من نهاياتها العصبية الأستيل كولين الذي يعمل كعامل مثير و يدوم بضع ميلي ثوانٍ قبل أن يتحطم.
2. النمط الثاني من الإشارات المثيرة ينشأ من أعداد كبيرة من العصبونات الصغيرة جداً المنتشرة على طول الباحة الشبكية ، و تسير هذه الإشارات إلى المهاد أيضاً و لكن عبر ألياف صغيرة بطيئة النقل . تتشابك هذه الألياف بشكل رئيسي في النوى داخل الصفيحة في المهاد و النوى الشبكية على سطح المهاد. و من هنا تسير ألياف صغيرة إلى كل مكان في القشرة المخية . و يمكن للتأثيرات المثيرة لهذه الجملة من الألياف أن تتراكم تدريجياً عدة ثوانٍ و حتى دقيقة أو أكثر ، و لذلك كانت هذه الإشارات ذات أهمية خاصة في التحكم بالمستوى الاستثاري الأساسي طويل الأمد للدماغ .

إثارة الباحة المثيرة في جذع الدماغ بالإشارات الحسية المحيطية :

يتحدد مستوى فعالية الباحة المثيرة من جذع الدماغ – و بالتالي مستوى فعالية كامل الدماغ – إلى حد كبير بنمط الإشارات الحسية التي تدخل الدماغ من المحيط. تزيد الإشارات الألمية بشكل خاص فعالية هذه الباحة و بالتالي تثير بقوة الدماغ و تجعله متيقظاً. إن أهمية الإشارات الحسية في تفعيل هذه الباحة نراها واضحة عند قطع جذع الدماغ فوق نقطة دخول الزوج القحفي الخامس إلى جذع الدماغ . فهذا الزوج هو الزوج الأكثر ارتفاعاً (في دخوله إلى جذع الدماغ) من باقي الأعصاب الناقلة لعدد كبير من الإشارات الحسية الجسدية إلى الدماغ . فعندما تنعدم جميع هذه الإشارات ينقص مستوى فعالية الباحة المثيرة بشكل مفاجئ و يسير الدماغ بخطى ثابتة نحو فعالية منخفضة بشدة مقتربة من الحالة الدائمة للسبات. و لكن عندما يتم قطع جذع الدماغ تحت مستوى دخول الزوج الخامس فإن السبات لا يحدث.

ازدياد فعالية الباحة المثيرة من جذع الدماغ بسبب إشارات التلقيم الراجع من المخ :

لا تمر الإشارات المثيرة فقط من الباحة المثيرة في جذع الدماغ إلى المخ و إنما تعود الإشارات بدورها من المخ بدورها إلى هذه الباحة المثيرة . لذلك و حالما تفعل القشرة سواء كان بالتفكير أو بوساطة الأعمال الحركية، ترسل إشارات عكسية عائدة إلى الباحات المثيرة في جذع الدماغ ، و من الواضح أن ذلك يساعد على الحفاظ على مستوى إثارة القشرة المخية أو حتى يعززها . و لذا تسمح هذه الآلية العامة للتلقيم الراجع الإيجابي لأي فعالية مخية بدئية أن تدعم فعالية إضافية مما يقود إلى العقل اليقظ.

المهاد هو مركز التوزع الذي يتحكم نواحٍ معينة من القشرة :

كما أشرنا سابقاً فإن كل باحة من القشرة الدماغية تتصل مع باحة عالية التخصص خاصة بها في المهاد. و لذلك فإن التنبيه الكهربائي لنقطة معينة في المهاد سيفعل ناحية صغيرة خاصة من القشرة . و أكثر من ذلك ، فإن الإشارات تتردد بشكل منتظم جيئة و ذهاباً بين المهاد و القشرة المخية ، فالمهاد يثير القشرة فتثير القشرة المهاد ثانية عن طريق الألياف العائدة .
و لذلك اقترح أن يكون الجزء من حدث التفكير الذي يساعدنا في ترسيخ الذاكرة المديدة ناجماً من هذا الارتداد للإشارات ذهاباً و إياباً.
و السؤال الآن : هل يستطيع المهاد أن يعمل بشكل داخلي أيضاً ضمن الدماغ ليستدعي ذكريات معينة أو ليفعل أحداث تفكير خاصة ؟ و الإجابة على هذا السؤال غير معروفة ، مع أن المهاد يملك في الحقيقة دارات عصبونية مناسبة لأداء هذه المهمة .

2-باحة شبكية مثبطة متوضعة في جذع الدماغ السفلي :
يوضح الشكل السابق باحة أخرى هامة في التحكم بفعاليات الدماغ . هذه الباحة هي الباحة الشبكية المثبطة المتوضعة في الناحية الإنسية و البطنية من البصلة . إن هذه الباحة تستطيع تثبيط الباحة الشبكية الميسرة في جذع الدماغ العلوي و لذلك فهي تستطيع إنقاص الفعالية من الأجزاء العلوية من الدماغ . و إحدى الآليات للتثبيط هي في إثارة العصبونات السيروتونية . تفرز هذه العصبونات بدورها الناقل العصبي المثبط السيروتونين عند نقاط التصالب في الدماغ .